الأربعاء، 14 ديسمبر، 2011

الدعوةُ السلفية تُحاربُ الحزبية

الدعوةُ السلفية تُحاربُ الحزبية

قال الشيخ الألباني – رحمه الله - :" ولذلك فنحن نؤيِّدُ كلَّ مَن يدعو إلى الرَدِّ على هؤلاء الخارجين على الحُكَّام، والذين يحُثُّون المسلمين على الخروج على الحُكَّام؛ لأنَّ هذا الخروج خروجٌ عن الإسلام.
مَن ادَّعى السلفيَّةَ والتي هي الكتاب والسنَّة، فعليه أن يسير مسيرةَ السلف، وإلاَّ الاسم لا يُغني عن حقيقة المسمَّى.قد ذكرتُ آنفاً بأنَّ مِن دعوة العلماء قاطبة أنَّه لا يجوز الخروج، ولا يجوز التكفير، فمَن خرج عن دعوة هؤلاء لا نُسمِّيه بأنَّه (سلفي)!كذلك المسلم الذي يُسمِّي نفسَه مسلماً، ولكنَّه لا يعمل بالإسلام، ولذلك قال ربُّنا تبارك وتعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة 105]
الدعوةُ السلفية هي تُحاربُ الحزبية بكلِّ أشكالِها وأنواعها، والسببُ واضحٌ جدًّا، الدعوة السلفية تنتمي إلى شخص معصوم وهو رسول الله .أمَّا الأحزابُ الأخرى فينتمون إلى أشخاصٍ غير معصومين، قد يكونون في أنفسهم صالحين، قد يكونون في ذواتهم من العلماء العاملين، ولكن أتباعهم ليسوا كذلك.
أخيراً وختاماً، فلان سلفي أو الجماعة الفلانية سلفية، لكنهم لا يعملون بالدعوة السلفية التي هي الكتاب والسنة والتمسك بما كان عليه السلف، وإلاَّ فهم خارجون عن الدعوة السلفية؛ والدليل الذي أختم به هذا الجواب هو قوله تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء 115].ولذلك فكلُّ الجماعات التي تدَّعي الانتسابَ إلى السلفِ، إذا لَم يعملوا بما كان عليه السلف، ومِن ذلك ما نحن بصددِه أنَّه لا يجوز تكفير الحُكَّام ولا الخروج عليهم، فإنَّما هي دعوى يدَّعونها..."انظر كتاب " فتاوى العلماء الأكابر "لعبد المالك الرمضاني – وفقه الله - ص98. 

الحاكم في السنّة لا يخلو من أحد حالين : إما أن يكون حاكما مسلما وإما أن يكون حاكما كافرا

قال فضيلة الشيخ محمد بن هادي المدخلي حفظه الله:

فإنك تجد الحاكم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخلو من أحد حالين :
إما أن يكون حاكما مسلما وإما أن يكون حاكما كافرا ،
الأول هو الحاكم المسلم وينقسم إلى قسمين :
القسم الأول أن يكون هذا الحاكم المسلم عادلا ، مقسطا ، فاضلا ، ديّنا ، أمينا رحيما بالمسلمين ، بادلا جهده في السعي في صلاحهم وصالح الإسلام فهذا يجب على المسلمين توقيره وتبجيله وتعظيمه وإجلاله ، فإن ذلك من إجلال الله تبارك وتعالى ، كما نطق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث صح عنه أنه قال كما في السنن وغيرها :" إن من إجلال الله ، إجلال ذي الشيبة المسلم ، وذي السلطان المقسط ،وحامل القرآن غير الغالي فيه أو الجافي عنه " .
فالسلطان المقسط العادل الذي يقوم في الناس بأمر الله تبارك وتعالى ،وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ويطبق شرع الله ،ويقوم فيهم بالعدل والرحمة هذا يجب أن يُجلّ وأن يُحترم وأن يُبجل وأن يُوقر ، فإن في ذلك إجلالا لله تبارك وتعالى . لماذا ؟ لأنه ظل الله في الأرض ، كما قال ذلك صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت :" السلطان ظل الله في الأرض من أكرمه أكرمه الله ومن أهانه أهانه الله " .
فأول ما يجب ، أن يُكرم هذا السلطان العادل ، فيُجل ويُحترم إجلالا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم به ، فإنا نقوم بذلك وإجلالنا له من إجلالنا لربنا تبارك وتعالى .
الثاني : أن يكون هذا المسلم ظالما ، جائرا أو فاسقا في نفسه ، صاحب معاصي لكنه لم يبلغ بذلك إلى الخروج عن دائرة الإسلام، فهذا لا يجوزأيضا الخروج عليه ، ولا الدعوة إلى الخروج عليه ولا التحريض للناس على ذلك ضده ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم :" إنه سيكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون " فأخبر عليه الصلاة والسلام بذلك ، فسُئل ، فأجاب ، وأخبر ذات مرة بأنه سيكون في آخر الزمان أمراء يهدون بغير هديه ويستنون بغير سنته ، فسُئل ما العمل معهم ؟ وأجاب ، والإجابة في الجميع ماذا ؟ الإجابة في الجميع أن نسأل ونطيع ،وأخبرنا صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون في آخر الزمان أثرة ،ـ يعني ـ استئثار بالدنيا والمال من الحكام وأمور تنكرونها وأمرنا بالسمع والطاعة ،وأخبرصلى الله عليه وسلم ، بأنه سيكون علينا أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، لكن يصلون ، وإنما الأمر في تأخيرها عن وقتها فسأله بعض الصحابة : نقاتلهم ؟ أفلا ننابذهم بالسيف ؟ قال :" لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة " ، " ما صلوا " في بعض الروايات فأمر بالصبر عليهم ، بل أمر من جاء معهم أن يصلي الصلاة لوقتها ، فإذا أدركهم يصلون يصلي معهم ، عليه الصلاة والسلام ،كل ذلك حفاظا على هيبة السلطان ، ووحدة كلمة المسلمين ، وانتظام أمرهم وقوة صفهم، لماذا ؟ لأن هيبة الإسلام لا تقوم إلا بهيبة الحكام في النفوس ،وهيبة الحكام لا تحصل إلا بتعظيمهم في نفوس الناس ، ودعوة الناس إلى إجلالهم والسمع والطاعة لهم،وعدم الاستخفاف بهم ، فإن مصالح العباد في دينهم ودنياهم ، لا تقوم إلا بهيبة السلطان وعظمته في نفوس الناس ، وقد حكى ابن حزم رحمه الله تعالى اتفاق العلماء على هذا الأمرأنه لا يمكن القيام بمصالح الإسلام إلا من خلال إعطاء الحكام هذه الصفة ألا وهي إجلالهم والقيام بحقوقهم وهيبتهم في نفوس الناس فإن هذا به تستقيم أمورالدين والدنيا ،كما نص على ذلك العلماء ، علماء الإسلام ، أمثال القرافي في الظفيرة وأمثال بدر الدين ابن جماعة في تحرير الأحكام والتدابيرأهل الإسلام وغيرهم ـ رحم الله الجميع ـ كلهم نصوا على أنه لابد في انتظام مصالح العباد والبلاد من إقامة سببها ، ماهو سببها الذي تقوم به ؟ هو بإقامة الهيبة للسلطان في نفوس المسلمين ، فإذا لم تكن له هيبة أو سُعي في إزالة هذه الهيبة من قلوب المسلمين انتثر عقد الولاية وحينئذ فلا سمع ولا طاعة وتحصل الفتن والشرور.
فهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل الخروج في المظاهرات والقيام على الحكام المسلمين يوافق هذا الهدي أو يخالفه ؟ يخالفه ، فإذا كان الحاكم مسلم لم يخرج عن دائرة الإسلام لم يجز الخروج عليه ، وإن فسق ،وإن جار ، وإن ظلم ،فإن جوره وفسقه على نفسه وظلمه إنما يطال طائفة قليلة محدودة ، لكن الشر الأعظم في الخروج عليه ، هذا كله في الحاكم المسلم .

أما الحاكم الكافر : فالخروج عليه إذا وجدت القدرة في إزالته وعدم حصول شر بسبب ذلك ، واجب على المسلمين ،إذا كفر فإنه يجب على المسلمين أن يزيلوه ، لكن متى يتحقق الكفر ؟ هذا دونه أمورعظيمة ، النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان "

فأولا : لابد أن يكون هذا الأمركفرا الذي يُخرَج بسببه الحاكم .
ثانيا : أن يكون هذا الكفر بواحا ـ يعني ـ ظاهرا بيّنا لا خفاء فيه ولا شبهة ولا تأويل .
فإن الشبهة والتأويل تعرض للإنسان فحينئذ لا يكفر ، انظروا إلى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ دعي إلى القول بخلق القرآن وإلا ، لا ؟ القول بخلق القرآن كفر وإلا إسلام ؟ كفر باتفاق العلماء ، ملة ونحلة كفرية وتعاقب عليها من خلفاء بني العباس كم ؟ المأمون والمعتصم والواثق ، ثلاثة ، امتحنوا العلماء عليها ، والعلماء قالوا من قال القرآن مخلوق فهو كافر ، لكن أحمد كان يدعو للحاكم ويقول : لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان ، أكثر من ذلك جاءه فقهاء بغداد واجتمعوا عليه وجلسوا إليه وأخذوا يفاوضونه ويناظرونه في الخروج على هذا الحاكم وأن الأمر قد فشى ـ يعني ـ القول بخلق القرآن وامتحان العلماء عليه وتفاقم ووصل إلى درجة لا يُصبر عليها قالوا : وإنه لا سمع لهذا الرجل علينا ولا طاعة ، فقال أحمد :لا ، هذا خلاف الآثار ، اصبروا ، إن نجد في الآثار "ما صلوا فلا " ،الله ، الله في دماء المسلمين ، ونهاهم عن أن يفتحوا باب الفتنة ،قالوا : أولا ترى ما نحن فيه ؟ قال : هذه فتنة خاصة ـ يعني ـ على طائفة من الناس ، أشخاص معدودين ، الفتنة الأعظم العامة ، إذا وقع السيف ، الله ، الله في دماء المسلمين ، كفوا دماء المسلمين ، هذا خلاف الآثار ، فلم يكفره أحمد لأن له شبهة ، ما قال بكفرهم بل أمر بالسمع والطاعة لهم ، لأنهم متأولون وعندهم شبهة .
فإذا لابد أن يكون الكفر بواحا ، صريحا واضحا لا شبهة فيه ولا تأويل ،وهذا من يحكم به ؟ علماء السنة والأثر ،السائرون على طريقة أحمد رحمه الله ، أحمد ضُرب وإلا ، لا ؟ ضُرب ظهره ، وجُرّد وجُلد بالسوط حتى أغمي عليه مرات ، ومع ذلك ما حمله ظلمهم له على أن يقول فيهم بغير أمر الله ، ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الطواعية لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .
فإذا ، لابد الحاكم إذا قلنا بأنه كفر لابد أن يكون إيش ؟ الكفر بواحا ،ظاهرا ، بيّنا ، لا تأويل فيه ولا شبهة .
ثانيا : أن تكون عند المسلمين القدرة على إزالته ، فلا يترتب على إزالته ماهو شر من ذلك ، فيقومون على هذا الحاكم ليزيلوه فيقتل منهم الألاف المألفة، هذا جنون ، هذا جزاف ، هذا حمق ، وقلة فقه في دين الله تبارك وتعالى فإذا كان هذا الحاكم عنده الأسلحة الفتاكة وهؤلاء لا يملكون إلا رصاصات معدودة أو بندقيتين أو بندقيات معدودة ، لا يمكن أن تصل إلى شيئ بجوار سلاحه أو سكاكين ونحوذلك هذا باطل ، هذا حمق لأن هذا جز بالمسلمين في أتون الفتن والحروب ، والمعارك التي تطحنهم ، ويترتب عليها فساد عريض من انتهاك الحرمات وسفك الدماء ، وإخافة الناس وقطع السبل ، وإعانة المفسدين والمجرمين ،فيخرجون في هذه المدة وهذا الزمان ينتهزون الفرصة ، فيكثر اللصوص وقطاع الطرق ، والمنتهكين للأعراض ونحو ذلك ، هذا كله بسبب إنفراط عقد الأمن .
فإذا كان لا قدرة لهم فإنه لا يجوز لهم الخروج بل عليهم أن يصبروا ،حتى يجعل الله فرجا ومخرجا ويقومون بدعوة الناس وتعليم الناس ، وتفقيه الناس للحق ، ودعوتهم إلى ما جاء به أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم .
فإذن الذي نراه اليوم من الدعوة إلى المظاهرات ضد الحكام المسلمين ، وأنا أكرر هذه العبارة لأننا نعلم أن ثمة من يترصد للكلام وخصوصا من الإخوان المسلمين ، فهؤلاء لا أقر الله عيونهم بضعف أهل السنّة فضلا عن ذهابهم ، فهم أعداء السنّة في كل زمان ومكان ، وأعداء أهلها ، أقول الحكام المسلمين الذين ثبت عندنا إسلامهم بيقين ، لا يجوز الخروج عليهم ولا إخراجهم من الإسلام إلا بيقين ، فإذا خرجوا من الإسلام نظرنا في القدرة حينئذ ، هل هي متوفرة أو غيرمتوفرة ، فإن كانت متوفرة أزيلوا ، وإن كانت غير متوفرة فلا يجوز الخروج عليهم ، بل على المسلمين أن يصبروا ولا يزجوا بالمسلمين في أتون هذه الفتن والحروب التي تطحن الأخضر واليابس .
فعلى ذلك ، هؤلاء الذين يدعون على حكام المسلمين أو الحكام المسلمين ، مخطئون وأنتم سمعتم الآن كلام الإمام أحمد رحمه الله مع ما ناله من البلاء والإبتلاء رحمة الله تعالى عليه .
فنحن إمامنا هو أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وهو إمام كل سنّي إلى قيام الساعة ـ رحمة الله تعالى عليه ـ وأحمد سلفه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضوان الله تعالى عليهم أجمعين ،فهذا عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما ينكر على عبد الله ابن مطيع ومن معه الخروج على يزيد ابن معاوية مع ما قالوه فيه من الفسق وما قالوه فيه من الكلام العظيم ومع ذلك ينكر عليهم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهؤلاء هم سلف أحمد رضي الله تعالى عنهم ، وأحمد هذا طريقه السائر فيه على طريقهم رضي الله عنهم ، فلهذا من سار على هذا الطريق سلم، ومن تنكبه هلك ـ عياذا بالله من ذلك ـ وبه نعلم أن الدعوة التي تقوم الآن بالمظاهرات والدعاء على الحكام المسلمين والتشهير بهم على المنابروالخروج في المظاهرات ضدهم هذه كلها منكرة ، السلف فيها لهؤلاء فريقان :
الفريق الأول : هم الكفارالغربيون أو الشرقيون فهذه سنتهم وليس بغريب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن من أمته من سيتبع من كان قبلنا ،حذوة القذة بالقذة ، شبرا بشبر،وذراعا بذراع حتى لودخلوا جحر ضب لدخلتموه " فقيل : اليهود والنصارى يا رسول الله ؟ قال :" فمن "
والفريق الثاني : سلف هؤلاء هم الخوارج الذين كان أول أمرهم الخروج على عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه ، فأحاطوا به حتى قتلوه ظلما رضي الله عنه وهو صابر محتسب ، وقد اجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت رضي الله عنهم أجمعين،وشاورهم في هذا وكانوا يدعونه إلى ما يدعى إليه اليوم بعض الحكام المسلمين ، كانوا يدعونه إلى التنازل عن الحكم والخلافة فأرشد عبد الله بن عمروأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم ، أرشدوا عثمان وأشاروا إليه رضي الله عنه بأن لا يتنازل حتى لا تكون سنة بعده ، كلما جاء قوم ورأوا من أميرهم أو إمامهم أو حاكمهم شيئا يكرهونه وأبغضوه ، قاموا عليه ودعوه إلى التنازل ، فقال عبد الله ابن عمر : أرى أن لا تنازل فتكون سنة بعدك كلما أبغض قوم إمامهم دعوه إلى ذلك أو كما قال رضي الله تعالى عنه .
فهؤلاء هم سلف أهل السنة ،رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، فيجب علينا جميعا أن نسير في طريقهم ، أما الحاكم غيرالمسلم فأنا قد ذكرت هذا فيما تقدم قريبا ، وفي عدة لقاءات وفي عدة مقالات وعدة كلمات وعدة دروس ، في حاله وبيان ما يجب على المسلمين حياله .

الخوارج القعدية

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. أما بعد...

ففي خضم الأحداث الأخيرة التي قامت في بعض الدول المسلمة وما رافقها من الفوضى والتقليد الأعمى للغرب الكافر في مظاهر الاحتجاج على فوات نصيب من الدنيا الفانية. وما رافق ذلك من سفك للدماء وانعدام للأمن ونشر للفوضى وهتك للأعراض واعتداء على الأملاك.

قال أهل السنة كلمتهم وفق معتقد أهل السنة والجماعة في تحريم الخروج على الحاكم المسلم لما فيه من المفاسد ومخالفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين وإجماع الأمة على ذلك، وبينوا أن هذا مشابه لفعل الخوارج.

فظهر بعض من ينسب نفسه إلى العلم يستهزئ بقول أهل السنة وضرب بآثار السلف عرض الحائط، ومما ذكره بعض هؤلاء أن العلماء لا يفقهون الواقع وأن لديهم سوء فهم وتنزيل للأحكام على الوقائع، وسمعت من بعضهم من يقول مستهزئاً أن الخوراج هم من يخرج على الحاكم بالسيف مقاتلاً فقط، وهؤلاء لم يخرجوا بالسيف.

فرأيت أن من واجبي بيان ما التبس على بعض الناس من سماعهم لأقوال هؤلاء الجهلة، الذين أكاد أجزم بأنهم لم يقرؤا في كتب العقيدة منذ زمن طويل. وتحذيراً من هذا الفكر المنتشر في العالم الإسلامي، فكما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في " الفرق بين النصيحة والتعيير" ص33 ( فأما أهل البدع والضلال، ومن تشبه بالعلماء وليس منهم فيجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم تحذيرا من الإقتداء بهم)

فأقول مستعيناً بالله.

أن الخوارج فرق متعددة منهم الأزارقة والنجدات والإباضية والصفرية وغيرهم، ومن هذه الفرق (الخوارج القعدية) وهي من أخطر فرق الخوارج، ومما تتميز به هذه الفرقة هي أنها لا ترى الحرب على الحكام لكن تزينه للآخرين.

قال الزبيدي رحمه الله في تارج العروس ( 5\195): ( القعدة قوم من الخوارج قعدوا عن نصرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن مقاتلته ..... وهم يرون التحكيم حقا، غير أنهم قعدوا عن الخروج على الناس ... والقعد:الذين لا يمضون إلى القتال، وهو اسم للجمع، وبه سمي قعد الحرورية ـ فرقة من فرق الخوارج ـ والقعد: الشراة ـ أيضا فرقة من فرق الخوارج ـ الذين يحكمون ولا يحاربون، وهوجمع قاعد).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله واصفاً الخوارج القعدية (والقعد الخوارج، كانوا لا يرون الحرب، بل ينكرون على أمراء الجور حسب الطاقة ويدعون إلى رأيهم ويزينون مع ذلك الخروج ويحسنونه) – تهذيب التهذيب 114 /8-

فترى في وصف الحافظ ابن حجر أن هؤلاء ينكرون على أمراء الجور أي الأمراء وأولياء الأمور الظلمة وفق طاقتهم مما يحرضون به ويهيجون الشعوب، فهم يزينون الخروج على حكامهم في أذهان الشعوب العامة المسكينة لتحقيق مقاصدهم وآثروا القعود وانصرفوا عن قتال الحكام وحمل السلاح، لكنهم يعتبرون من حركات الخوارج الثورية. فهم الذين يهيجون الناس ويزرعون الأحقاد في قلوبهم على ولاة الأمر، ويصدرون الفتاوى باستحلال ما حرم الله باسم تغيير المنكر وهم أخبث فرق الخوارج. قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (ج19ص72) عن الخوارج ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا به جملة المسلمين وأئمتهم إحداهما: خروجهم عن السنة، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة أو ما ليس بحسنة حسنة) وهم أخطر من الخوارج أنفسهم إذ أن الكلام وشن القلوب وإثارة العامة على ولاة الأمر له أبلغ الأثر في النفوس، وخاصة إذا خرج من رجل بليغ متكلم يخدع الناس بلسانه وتلبسه بالسنّة.

روى أبو داود في مسائل أحمد عن عبد الله بن محمد الصعيف أنه قال: " قعد الخوارج هم أخبث الخوارج " ص271

قال الآجري رحمه الله في الشريعة (ص21): ( لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء، عصاة لله عز وجل، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن صاموا وصلوا واجتهدوا في العبادة فليس ذلك بنافع لهم، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس بنافع لهم لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموهون على المسلمين، وقد حذر الله عز وجل منهم، وحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذرنا الخلفاء الراشدون بعده، وحذرنا الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان رحمة الله عليهم ).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمة عمران بن حطان: (تابعي مشهور وكان من رؤوس الخوارج من القعدية بفتحتين وهم الذين يحسنون لغيرهم الخروج على المسلمين ولا يباشرون القتال قاله المبرد قال وكان من الصفرية وقيل القعدية لا يرون الحرب وان كانوا يزينونه )" الإصابة في تمييز الصحابة 5/302- فعمران بن حطان لم يقاتل بنفسه بل ذكر في ترجمته أنه كان يهرب خوفاً على حياته.

وأول هؤلاء الخوارج هو ذو الخويصرة التميمي وقصته في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قال: خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه، فأضرب عنقه، فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله- في شرح الواسطية (وأول بدعة حدثت في هذه الأمة هي بدعة الخوارج، لأن زعيمهم خرج على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ذو الخويصرة من بني تميم، حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم ذهيبة جاءت فقسمها بين الناس، فقال له هذا الرجل: يا محمد‍ اعدل فكان هذا أول خروج خرج به على الشريعة الإسلامية، ثم عظمت فتنتهم في أواخر خلافة عثمان وفي الفتنة بين علي ومعاوية، فكفروا المسلمين واستحلوا دماءهم)

فهذا الرجل الذي خرج من صلبه الخوارج الذين قاتلوا الصحابة في النهروان لم يكن يقاتل الرسول بالسيف لكن اعترض على حكمه باللسان. قال الشيخ العثيمين في تعليقه على هذا الحديث (بل العجب أنه ـ يعني ذي الخويصرة ـ وجَّه الطعن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال له: اعدل، هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، وهذا أكبر دليل على أن الخروج على الإمام يكون بالسيف، ويكون بالقول والكلام، يعني: هذا ا أخذ السيف على الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه أنكر عليه، ونحن نعلم علم اليقين بمقتضى طبيعة الحال أنه لا يمكن خروج بالسيف إلا وقد سبقه خروج باللسان والقول)

وقد رأينا بعضهم يرد أحاديث صحيحة لم توافق هواه وشهوته ويحاول الطعن فيها، وهذا مسلك الخوارج قديماً وحديثاً، قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (ج19ص73) عن الخوارج إذا لم يعقلوا الأحاديث: ( فيطعنون تارة في الإسناد، وتارة في المتن، وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ولا بحقيقة القرآن ).

نسأل الله الثبات والعافية. والله المستعان.

السنة مقرونةٌ بالاجتماع والائتلاف والبدعة مقرونةٌ بالفرقة والاختلاف

الفوزان : هو سمّاكم المسلمين

فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد .. قال الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [الحج:78]، هذا خطاب لهذه الأمة المحمدية آخر الأمم وقتاً وأولها فضلاً وسبقاً إلى كل خير، فالله سبحانه وتعالى اختار لهم ديناً قيماً وشريعة سمحة ليس فيها حرج ولا آصار ولا أغلال كما كان على الأمم السابقة.

كانت هذه الأمة على ملة أبيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو الذي سمّى هذه الأمة بالمسلمين وفي الكتب السابقة، فكانت معروفة بهذا الاسم، وسمّاهم الله المسلمين في هذا القرآن، فهو اسم مسجل لها في التوراة والإنجيل والقرآن، معروفة به بين الأمم، وهو اسم عظيم يتضمن التوحيد لله في عبادته وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، فلا يجوز أن تسمّى هذه الأمة بغير الإسلام، ولا يجوز لنا الانتماء إلى ما سواه من الإنسانية والقبلية والقومية، فمن انتمى إلى غيره فقد كفر النعمة واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

وإذا كان الانتماء إلى غير الإسلام معه احتقار للإسلام واعتقاد أن غيره أكمل وأفضل منه فهذا كفر بالله، نسأل الله العافية والسلامة، والأعداء ما حسدونا على شيء مثل ما حسدونا على هذا الإسلام الذي ميزنا الله به بين البشرية، فهم يحاولون صرفنا عنه بشتى الوسائل كما قال الله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا) [البقرة:217]، ومن ذلك محاولتهم أن نستبدل اسم الإسلام باسم الإنسانية مما يتظاهر به ويتسمى به بعض منا في أعماله الخيرية ويظهر هذا في وسائل إعلامنا وفي مسميات مشاريعنا من نسبة الأفعال الخيرية إلى الإنسانية ولا تنسب إلى الإسلام الذي هو مصدر كل خير.

إن دولتنا –ولله الحمد- دولة إسلامية، وحكامنا مسلمون، وأهل الخير والمشاريع الخيرية منا مسلمون، وكل خير فمصدره الإسلام الذي علّمنا فعل الخير وأمرنا به، فلماذا لا نسمي مشاريعنا وأعمالنا التي فيها نفع للعباد بالإسلامية؟ لماذا لا نسمي مملكتنا بالإسلامية بدل الإنسانية فننسب الخير إلى مصدره ونضع النقاط على الحروف وليكون في ذلك دعوة إلى ديننا وتعريف به ووضع للأمور في نصابها.

إن الإنسانية بدون إسلام ما هي إلا جاهلية وظلم، قال الله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [الأحزاب:72]، ألم يكن المشرك والكافر والظالم والفاسق إنساناً، ولا يكون المحسن وصاحب عمل البر والخير في الغالب إلا مسلماً، وإن الإنسان في الغالب مهما كان بدون إسلام ما هو إلا وحش بشري صفته الظلم والعدوان والجبروت، وليعتبر هذا بحالة البشرية والإنسانية قبل الإسلام ماذا كانت عليه من سفك الدماء والسلب والنهب والغارات والثارات فجاء الإسلام فضبطها وحوّلها إلى أمة رحمة وتعاطف وتراحم: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) [آل عمران:102]، (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال:62-63].

حق لنا أن نفتخر بالإسلام ونتسمى به ونسمي به دولتنا وكل مشاريعنا ومؤسساتنا كما سمانا به أبونا إبراهيم، وكما سمانا الله به في القرآن الكريم، وكل خير فمصدره الإسلام لأنه دين الخير والرحمة ودين العزة والقوة ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله رحمة واسعة : أولاً: التفكير في شرف الحق وضِعَةِ الباطل: وذلك بأن يفكر في عظمة الله، وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكره الباطل، وأن من اتبع الحق استحق رضوان رب العالمين، فكان سبحانه وليه في الدنيا والآخرة، بأن يختار له كل ما يعلمه خيراً له وأشرف حتى يتوفاه راضياً مرضياً، فيرفعه إليه ويقربه لديه، ويحله في جوار ربه مكرماً منعماً في النعيم المقيم، والشرف الخالد، الذي لا تبلغ الأوهام عظمته. وأن من أخلد إلى الباطل استحق سخط رب العالمين وغضبه وعقابه، فإن آتاه شيئاً من نعيم الدنيا؛ فإنما ذلك لهوانه عليه ليزيده بعداً عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأوهام شدته . ثانيًا: يفكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ونسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين وعذاب الآخرة: ويتدبر قول الله عز وجل : { وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ . وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}[سورة الزخرف] . ويفهم من ذلك أنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة؛ لابتلى الله المؤمنين بما لم تجر به العادة من شدة الفقر والضر والخوف والحزن وغير ذلك، وحسبك أن الله ابتلى أنبيائه وأصفيائه بأنواع البلاء .وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنْ الزَّرْعِ تُفِيئُهَا الرِّيحُ تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى تَهِيجَ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً )) رواه البخاري ومسلم. والمقصود من الحديث: تهذيب المسلمين، فيأنس المؤمن بالمتاعب والمصائب، ويتلقاها بالرضا والصبر والاحتساب، راجياً أن تكون له عند ربه، ولا يتمنى خالصاً من قلبه النعم ولا يحسد أهلها، ولا يسكن إلى السلامة والنعم ولا يركن إليها، بل يتلقاها بخوف وحذر وخشية؛ أن تكون إنما هيئت له لاختلال إيمانه، فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله، فلا يخلد إلى الراحة ولا يبخل، ولا يعجب بما أوتيه، ولا يستكبر ولا يغتر، ولم يتعرض الحديث لحال الكافر؛ لأن الحجة عليه واضحة على كل حال . وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ: (( الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ )). رواه الترمذي وأحمد والدارمي. وقد ابتلى أيوب بما هو مشهور. وابتلى يعقوب بفقد ولديه، وشدد أثر ذلك على قلبه فكان كما قصه الله في كتابه:{ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}[سورة يوسف] . وابتلى محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام بما تراه في السيرة، فكلّفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشأوا عليه تبعاً لآبائهم من الشرك والضلال، ويصارحهم بذلك سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، ويدور عليهم في نواديهم ومجتمعاتهم وقراهم، فاستمر على ذلك نحو ثلاث عشرة سنة، وهم يؤذونه أشد الأذى مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها ولا يعرف أن يؤذي؛ إذ كان من قبيلة شريفة، في بيت محترم موقر، ونشأ على أخلاق كريمة احترمه لأجلها الناس ووقروه، ثم كان ذلك على غاية الحياء والغيرة وعزة النفس. ومن كانت هذه حاله؛ يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى، ويشق عليه غاية المشقة الإقدام على ما يعرضه لأن يؤذى، ويتأكد ذلك في جنس ذاك الإيذاء: هذا يسخر منه، وهذا يسبه، وهذا يبصق في وجهه، وهذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سلى الجزور على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنقه، وهذا ينخس دابته حتى تلقيه، وهذا عمه يتبعه أنى ذهب يؤذيه، ويحذر الناس منه، ويقول : إنه كذاب، وإنه مجنون. وهؤلاء يغرون به السفهاء، فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دماً، وهؤلاء يحصرونه وعشيرته مدة طويلة في شعب ليموتوا جوعاً، وهؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء، ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك ظهره، ومنهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها أحدهم بالحربة في فرجها فقتلها. كل ذلك لا لشئ إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى رضوانه، ومن عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم، ولم يلتفتوا إلى ذلك مع وضوح الحجة، وإنما كان همهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم . ومن وجه آخر ابتلى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن قبض أبويه صغيراً، ثم جده ثم عمه الذي كان يحامي عنه، ثم امرأته التي كانت تؤنسه، وتخفف عنه، ثم لم يزل البلاء يتعاهده صلى الله عليه وآله وسلم- وتفصيل هذا يطول- هذا وهو سيد ولد آدم، وأحبهم إلى الله عز وجل . فتدبر هذا كله؛ لتعلم حق العلم ما نتنافس فيه ونتهالك عليه من نعيم الدنيا وجاهها ليس هو بشئ في جانب رضوان الله والنعيم الدائم في جواره، وأن ما نفرّ منه من بؤس الدنيا ومكارهها ليس هو بشيء في جانب سخط الله، وغضبه والخلود في عذاب جهنم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ)) رواه مسلم . ثالثًا: يفكر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية: فأما المؤمن فإنه يأتي الطاعة راغباً نشيطاً لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فإن عرضت له رغبة في الدنيا فإلى الله فيما يرجو معونته على السعي للآخرة، فإن كان ولا بد ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبطه عن السعي للآخرة. وهو على كل حال متوكل على الله، راغب إليه أن يختار له ما هو خير وأنفع، ثم يباشر الطاعة خاشعاً، مستحضراً أن الله يراه ويرى ما في نفسه، ويأتي بها على الوجه الذي شرعه الله، وهو مع ذلك كما قال الله تعالى: {…يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}[سورة المؤمنون]. فهو يخاف ويخشى أن لا تكون نيته خالصة، وذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان، وقد تكون من ضعيفه، الذي إنما يطيع احتياطًا، وقد لا تكون خالصة بل يمازجها رغبة في ثواب الدنيا لأجل الدنيا، أورغبة في الآثار الطبيعية ككسر الشهوة حيث لا يشرع، وكتقوية النفس. وكمنفعة البدن كالذي يصوم ليصح، ويصلي التراويح لينهضم طعامه . وكحب الترويح عن النفس كالذي يأتي الجمعة ليتفرج، ويلقى أصحابه، ويقف على أخبارهم . وكمراعاة الناس لكي يمدحوه، ويثنوا عليه، فيعظم جاهه، ويصل إلى أغراضه ولا يمقتوه… إلى غير ذلك من المقاصد. كالعالم يريد أن يراه الناس ويعظموه ويستفتوه، فيشتهر علمه ويعظم جاهه، وغير ذلك. والمؤمن- ولو خلصت نيته في نفس الأمر- لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه. والمؤمن يخاف ويخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع، وهكذا تستمر خشية المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة، يرجو أن يكون قبلها الله بعفوه وكرمه، ويخشى أن يكون ردت لخلل فيها- وإن لم يشعر به- أو لخلل في أساسها وهو الإيمان . هذه حال المؤمن في الطاعات، فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟ وقد قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ . وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}[سورة الأعراف]. فالمؤمن يتصارع إيمانه وهواه، فقد يطيف به الشيطان، فيغفله عن قوة إيمانه، فيغلبه هواه فيصرعه، وهو حال مباشرة المعصية ينازع نفسه، فلا تصفوا له لذتها، ثم لا يكاد جنبه يقع على الأرض، حتى يتذكر، فيستعيد قوة إيمانه، فيعض أنامله أسفاً وحزناً على غفلته التي أعان بها عدوه على نفسه، عازماً على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة . وأما إخوان الشياطين، فتمدهم الشياطين في الغي فيمتدون فيه، ويمنونهم الأماني فيقنعون، فمن الأماني أن يقول : الله قدره علي، فما شاء فعل .. قد اختلف العلماء في حرمة هذا الفعل، قد اختلفوا في كونه كبيرة، والصغائر أمرها هين .. لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب .. لعل الله يغفر لي .. لعل فلاناً يشفع لي .. سوف أتوب ! وأحسن حاله أن يقول: أستغفر الله، ويرى أنه قد تاب ومحي ذنبه، قال الله تعالى:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ… }[سورة الأعراف]. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا )) . رابعًا : يفكر في حاله مع الهوى: افرض أنه بلغك أن رجلاً سب إمامك، وآخر سب إماماً آخر، أيكون سخطك عليه وسعيك في عقوبته وتأديبه أو التنديد به موافقاً لما يقتضيه الشرع فيكون غضبك على الأول والثاني قريباً من السواء؟ افرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك، وقرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول آخر له، أيكون نظرك إليهما سواء، لا تبالي أن يتبين منها بعد التدبر صحة ما لاح لك، أوعدم صحته ؟ افرض أنك وقفت على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما، أحدهما يوافق قولاً لإمامك، والآخر يخالفه، أيكون نظرك فيهما سواء، لا تبالي أن يصح سند كل منهما، أويضعف ؟ افرض أنك نظرت في مسألة قال إمامك قولاً، وخالفه غيره، ألا يكون لك هوى في ترجيح أحد القولين، بل تريد أن تنظر لتعرف الراجح منها فتبين رجحانه؟ افرض أن رجلًا تحبه، وآخر تبغضه تنازعا في قضية، فاستفتيت فيها، ولا تستحضر حكمها، وتريد أن تنظر ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه؟ افرض أنك وعالماً تحبه، وآخر تكرهه أفتى كل منكم في قضية وأطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صواباً، ثم بلغك أن عالماً آخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى، وشدد النكير عليها، أتكون حالك واحدة سواء أكانت هي فتواك، أم فتوى صديقك، أم فتوى مكروهك ؟ افرض أنك تعلم من رجل منكراً وتعذر نفسك في عدم الإنكار عليه، ثم بلغك أن عالماً أنكر عليه وشدد النكير، أيكون استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكِر صديقك أم عدوك، والمنكَر عليه صديقك أم عدوك ؟ فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أونقص في الدين، وتجد من تبغضه مبتلى بمعصية أونقص آخر ليس في الشرع بأشد مما أنت مبتلى به؟ فهل تجد إستشناعك ما هو عليه مساوياً لاستشناعك ما أنت عليه، وتجد مقتك نفسك مساوياً لمقتك إياه؟ وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى، ولم يكلف العالم بأن لا يكون له هوى؟ فإن هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالم أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه؛ آثر الحق على هواه . والعالم قد يقصر في الاحتراس من هواه ويسامح نفسه، فتميل إلى الباطل، فينصره، وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده، وهذا لا يكاد ينجوا منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء: فمنهم: من يكثر الاسترسال مع هواه: ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس، ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد. ومنهم: من يقل ذلك منه ويخف: ومن تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسا؛ً رأى فيها العجب العجاب، ولكنه لا يتبين له إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفاً لما في تلك الكتب، على أنه إذا استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلهم متبعون للهوى . وقد كان من السلف من يبلغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوه وعدوه، فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه، وهذا كالذي يمشي في الطريق ويكون عن يمينه مزلة فيتقيها ويتباعد عنها، فيقع في مزلة عن يساره ! خامسًا: يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو عن أن يكون قد سلف منه تقصير أو لا : فعلى الأول: إن استمر على ذلك كان مستمراً على النقص ومصراً عليه، وذلك هو هلاكه، وإن نظر فتبين له الحق، فرجع إليه حاز الكمال، وذهبت عنه معرة النقص السابق، فإن التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد قال الله تعالى: {…إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[سورة البقرة]. وفي الحديث: (( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي وأحمد. وأما الثاني: وهو أن لا يكون قد سبق منه تقصير، فلا يلزمه بما تقدم منه نقص يعاب به البتة، بل المدار على حاله بعد أن ينبه، فإن تدبر وتنبه فعرف الحق فاتبعه فقد فاز، وكذلك إن اشتبه عليه الأمر فاحتاط، وإن أعرض ونفر؛ فذلك هو الهلاك . سادسًا: يستحضر أن الذي يُهمه، ويُسأل عنه هو حاله في نفسه : فلا يضره عند الله، ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلمه، أو مربيه، أو أسلافه، أو أشياخه على نقص، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يسلموا من هذا، وأفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضى عنهم، وكان آباؤهم وأسلافهم مشركين . هذا مع احتمال أن يكون أسلافك معذورين إذا لم ينبهوا، ولم تقم عليهم الحجة . وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به فاتباعك لهم وتعصبك لا ينفعهم شيئاً، بل يضرهم ضرراً شديداً، فإنه يلحقهم مثل إثمك، ومثل إثم من يتبعك من أولادك وأتباعك إلى يوم القيامة، كما يلحقك مع إثمك مثل إثم من يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعك إلى الحق هو خير لأسلافك على كل حال؟ سابعًا: يتدبر ما يُرجى لمؤثر الحق من رضوان رب العالمين، وحسن عنايته في الدنيا، والفوز العظيم الدائم في الآخرة، وما يستحقه متبع الهوى من سخطه عز وجل، والمقت في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة: وهل يرضى عاقل لنفسه أن يشتري لذة اتباع هواه بفوات حسن عناية رب العالمين، وحرمان رضوانه، والقرب منه، والزلفى عنده، والنعيم العظيم في جواره، وباستحقاق مقته وعذابه الأليم؟ لا ينبغي أن يقع هذا حتى من أقل الناس عقلاً، سواء أكان مؤمناً موقناً بهذه النتيجة، أم ظاناً لها، أم شاكاً فيها، أم ظاناً لعدمها، فإن هذين يحتاطان، وكما أن ذلك الاشتراء متحقق ممن يعرف أنه متبع هواه، فكذلك من يسامح نفسه، فلا يناقشها ولا يحتاط . ثامنًا: يأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبين له : فلا يسامحها في ترك واجب، أو ما يقرب منه، ولا في ارتكاب معصية، أوما يقرب منها، ولا في هجوم على مشتبه، ويروضها على التثبت والخضوع للحق، ويشدد عليها في ذلك حتى يصير الخضوع للحق ومخالفة الهوى عادة له . تاسعًا : يأخذ نفسه بالاحتياط فيما يخالف ما نشأ عليه : فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يرى أنه لا بأس بها، أو أنها مستحبة، وعلم أن من أهل العلم من يقول إنها شرك، أو بدعة، أو حرام، فيأخذ نفسه بتركها حتى يتبين له بالحجج الواضحة صحة ما نشأ عليه، وهكذا ينبغي له أن ينصح غيره ممن هو في مثل حاله، فإن وجدت نفسك تأبى ذلك، فأعلم أن الهوى مستحوذ عليها، فجاهدها . واعلم أن ثبوت هذا القدر على المكلف أعنى أن يثبت عنده أن ما يدعى إليه أحوط مما هو عليه كاف في قيام الحجة عند الله عز وجل، وبذلك قامت الحجة على أكثر الكفار، فمن ذلك: المشركون من العرب، لم يكن في دينهم الذي كانوا عليه تصديق بالآخرة، وإنما يدعون آلهتهم ويعبدونها للأغراض الدنيوية، مع علمهم أن مالك الضر والنفع هو الله وحده، ولذلك كانوا إذا وقعوا في شدة دعوا الله وحده، قال تعالى: { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ … }[سورة لقمان]. وكانوا يرون من هو على خلاف دينهم لا يظهر تفاوت بينه وبينهم في أحوال الدنيا، وعرفوا فيمن أسلم مثل ذلك، ثم عرض عليهم الإسلام، وعرفوا على الأقل أنه يمكن أن يكون حقاً، وأنه إن كان حقاً ولم يتبعوه تعرضوا للمضار الدنيوية، وللخسران الأبدي في الآخرة، فلزمهم في هذه الحال أن يسلموا؛ لأنه إن كان الأمر كما بدا لهم من صحة الإسلام، فقد أخذوا منه بنصيب، وإلا فتركهم لما كانوا عليه لا يضرهم كما لا يتضرر من خالفهم، فلم يمنعهم من الإسلام إلا إتباع الهوى . قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}[سورة فصلت] . وقال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}[سورة فصلت]. وقال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[سورة الأحقاف]. وتكذيبهم للحق وإعراضهم عنه بعد أن قامت الحجة عليهم بأن تصديقه واتباعه أحوط لهم وأقرب إلى النجاة؛ ظلم شديد منهم استحقوا به أن لا يهديهم الله إلى استيقان أنه حق، وهذا كما في قصة نوح، وقال تعالى: {…وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ}[سورة الأعراف] . ونحوها في سورة يونس: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ}. وقال عز وجل: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ . وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[سورة الأنعام]. وفي [تفسير ابن جرير7 / 194]: ‘…عن ابن عباس قوله : {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ}… قال:’ لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شئ وردت عن كل أمر’. عاشرًا : يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات : فإنه إذا تم له ذلك؛ هان عليه الخطب، فإنه لا يأتيه من معدن الحق إلا الحق، فلا يحتاج إن كان راغباً في الحق، قانعاً به إلى الإعراض عن شئ جاء من معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات، لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه والتمويه، فالواجب على الراغب في الحق أن لا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة، بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهل الحق . والله الموفق . المصدر : كتاب الشيخ ” القائد إلى تصحيح العقائد